السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 49

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

الإدراك العقلي الإدراك العقلي : هو الوسيلة الرئيسية الثانية التي تستخدم في بحوث هذا العلم لإثبات العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ، إذ قد يكون العنصر المشترك في عملية الاستنباط ممّا ندركه بعقولنا دون حاجةٍ إلى بيانٍ شرعيٍّ لإثباته ، من قبيل القانون القائل : « إنّ الفعل لا يمكن أن يكون حراماً وواجباً في وقتٍ واحد » ، فإنّنا لا نحتاج في إثبات هذا القانون إلى بيانٍ شرعيٍّ يشتمل على صيغةٍ للقانون من هذا القبيل ، بل هو ثابت عن طريق العقل ؛ لأنّ العقل يدرك أنّ الوجوب والحرمة صفتان متضادّتان ، وأنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يشتمل على صفتين متضادّتين ، فكما لا يمكن أن يتّصف الجسم بالحركة والسكون في وقتٍ واحدٍ كذلك لا يمكن أن يتّصف الفعل بالوجوب والحرمة معاً . والإدراك العقلي له مصادر متعدّدة ودرجات مختلفة . فمن ناحية المصادر ينقسم الإدراك العقلي إلى أقسام : منها : الإدراك العقلي القائم على أساس الحسِّ والتجربة . ومثاله : إدراكنا أنّ الماء يغلي إذا بلغت درجة حرارته مائة ، وأنّ وضعه على النار إلى مدّةٍ طويلة يؤدّي إلى غليانه . ومنها : الإدراك العقلي القائم على أساس البداهة . ومثاله : إدراكنا جميعاً أنّ الواحد نصف الاثنين ، وأنّ الضدّين لا يجتمعان ، وأنّ الكلّ أكبر من الجزء . فإنّ هذه الحقائق بديهية ينساق إليها الذهن بطبيعته دون عناءٍ أو تأمّل . ومنها : الإدراك القائم على أساس التأمّل النظري . ومثاله : إدراكنا أنّ المعلول يزول إذا زالت علّته ، فإنّ هذه الحقيقة ليست بديهية ، ولا ينساق إليها